التسويق الاجتماعي لبرامج الموهوبين والمبدعين الشباب

 

د.أيمن زيتون 

م.رياض الفريجي

 

            من أبرز المشكلات والتحديات التي تواجه البرامج المقدمة للشباب المبدعين والموهوبين، هي مشكلة فاعلية التسويق الاجتماعي لهذه البرامج، فكثير من الجهود المبذولة في هذا الشأن عبارة عن خطط مؤقتة أو صيغت في عجالة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولذلك تفتقد هذه الجهود للبعد الاستراتيجي في مواجهة تلك المشكلة، كما أنها قد تتجاهل أبرز عوامل نجاح تلك البرامج في الوقت الراهن، وهو دور التسويق الاجتماعي، والذي يزيد من قوتها واستمرارها للنجاح في تسويق الأفكار والاتجاهات الخاصة بالمشروع إلى الجمهور المستهدف في منطقة معينة.

 

           وحقيقةً فإن برامج العمل مع الشباب تمثل وسيلة للتعبير الإيجابي المتزن بمشاركة وتوجيه العاملين في القطاعات الشبابية وتحت قيادات مهنية واعية تسعى لتحقيق التنشئة الواعية والتنمية المستدامة لهؤلاء الشباب، وبذلك يمكن اعتبارها وسيلةً لتحقيق أغراض تربوية واجتماعية واقتصادية، كما أنها ذات أثر سياسي واستراتيجي يحقق المصالح الوطنية ويحافظ عليها، ومن خلال هذه البرامج الموجهة للشباب والمدّعمة بالأنشطة والفعاليات التي تلبي ميول الشباب وتدعم مهاراتهم وتصقل قدراتهم وتنميها ليواصلوا الحياة بكفاءة وفاعلية، هنا وفي هذه المرحلة يستشعر الشباب جودة الحياة وتستكشف مواهبهم وإبداعاتهم، ومن ثم تتحقق رفاهية المجتمع، وهذا ما يصبو إليه التسويق الاجتماعي.

 

      ولا يمكن التقليل من الدور المؤثر للشباب الموهوب والمبدع في المجتمع بكل ما هو جديد ومتطور، الأمر الذي يساعد على دفع الأمة للحاق بالتطور العالمي، وإن رعاية أصحاب المواهب وتوجيههم نحو العمل المبدع ، والاهتمام بهم وتنمية طاقتهم البشرية وتوجيهها التوجيه الأمثل من أشد المطالب الحيوية لكي تكون قادرة على أن تؤدي دورها الوطني وتدفع عملية التنمية إلى الأمام.

 

        وتُظهر الممارسات الدولية أن كثيراً من المنظمات -ومنها المنظمات غير الحكومية- تستخدم التسويق الاجتماعي واستراتيجياته المختلفة لتحقيق رسالتها والحصول على الموارد المالية اللازمة للقيام بتقديم خدماتها المختلفة وجذب المتطوعين والتأثير على صنّاع القرار، كما أن هذه المنظمات تتبنى العديد من الاستراتيجيات التسويقية التي تتضمن الحملات الدعائية والتخطيط الاستراتيجي للتسويق سواءً في المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة أو استراليا إلى غير ذلك من التجارب الدولية. ([i])

 

 

                 ويجب أن يُراعى في تصميم البرامج الموجهة للموهوبين شمولية إشباع الحاجات الذهنية والمعرفية إضافةً إلى الحاجات الاجتماعية والنفسية وفقاً لاحتياجاتهم، حيث يؤكد “نيهارت” على أن البرنامج الناجح يجب أن يراعي حاجة الموهوبين إلى اكتساب بعض المهارات ذات التأثير المهم في توجيه قدراتهم الذهنية، كما ينبغي أن نراعي عند تصميم البرامج الخاصة بالموهوبين والمبدعين أساليب التقويم المختلفة قبل بداية التنفيذ، مما يساعد العاملين في تحديد المطلوب بدقة لتحقيق الأهداف المنشودة، إذ يشير “توملسون” إلى أن من أهم عوامل نجاح البرنامج في مرحلة التنفيذ وضوح محاور التقويم لدى المنفذين أو العاملين في القطاعات الشبابية ومشاركتهم في عملية التقويم.([ii])

 

 

      وقبل الخوض في عمق التسويق الاجتماعي، وطرق تفعيله في البرامج الشبابية للموهوبين والمبدعين، ينبغي أولاً الوقوف على إسهامات المملكة في جانب الموهوبين، ثم الخوض في تحديد مفهوم الشباب وخصائصهم واحتياجاتهم، كذلك الموهوبين والمبدعين وخصائصهم، ويمكن أن نعرض لذلك بصورة مركزة ومختصرة كما يلي:

 

أولاً : اسهامات المملكة في رعاية الموهوبين:

ظهر اهتمام الدولة برعاية الموهوبين والموهوبات بصورة رسمية من خلال إصدار وثيقة سياسية التعليم في المملكة عام 1389هـ 1969 م والتي تنص صراحةً على أن رعاية الطلاب والطالبات الموهوبين واجب وطني وتربوي، فقد جاء في:

  • المادة 57 : الاهتمام باكتشاف الموهوبين ورعايتهم وإتاحة الإمكانات والفرص المختلفة لنمو مواهبهم في إطار البرامج العامة وبوضع برامج خاصة.
  • المادة 192: ترعى الدولة النابغين رعاية خاصة لتنمية المواهب وتوجيهها وإتاحة الفرصة أمامهم في مجال نبوغهم.
  • المادة 193: تضع الجهات المختصة وسائل اكتشافهم وبرامج الدراسة الخاصة بهم والمزايا التقديرية المشجعة لهم.
  • المادة 194: تهيأ للنابغين وسائل البحث العلمي للاستفادة من قدراتهم وتعدهم بالتوجيه الإسلامي.

 

       وتحقيقاً لتلك التوجهات تضافرت جهود كثيرة لا يمكن حصرها في هذه المقالة لكن من أبرزها: جهود وزارة التربية والتعليم ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وتأسيس مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله لرعاية الموهوبين “موهبة” عام 1419هـ، وتأسيس الإدارة العامة لرعاية الموهوبين عام 1421هـ، والإدارة العامة لرعاية الموهوبات عام 1422هـ، وعلى هذه المؤسسات الثلاث قامت خدمات رعاية الموهوبين من الجنسين بالمملكة، وقدمت هذه المؤسسات برامج إثرائية بمدارس التعليم العام، من أبرزها الملتقى الإثرائي الصيفي، وبرنامج تنمية الاختراع، والأولمبياد الوطني للرياضيات والفيزياء والكيمياء، والمشاركة في المسابقات المحلية والإقليمية والدولية.([iii])

 

         وقد خطت المملكة خطوات كبيرة وأساسية في مجال الكشف عن الموهوبين وذلك بإنجاز المشروع الوطني “برنامج الكشف عن الموهوبين ورعايتهم” حيث تم تطوير عدد من اختبارات القدرات العقلية وتقنينيها على البيئة السعودية (اختبار الذكاء الفردي وكسلر) ، اختبار القدرات العقلية، اختبار تورنس للتفكير الابتكاري (الشكل ب) وأدت الاستفادة من هذه المقاييس في إنجاز برنامج الكشف عن الموهوبين الذي تم إنشاؤه بمختلف مناطق المملكة.([iv]) وهناك جهود كبيرة للمملكة تجعلها في صدارة الدول المهتمة بهذا الشأن، يمكن أن تكون في مقالة قادمة.

 

ثانياً: الشباب :

       رغم اختلاف المختصين وتعدد وجهات نظرهم حول تحديد مفهوم الشباب ، إلا أن كثيراً من علماء السكان والديموجرافيا يؤكدون أن الشباب شريحة عمرية تقع بين (15 – 30) عاماً، أما علماء الاجتماع فينظرون لفترة الشباب باعتبارها فترة عمرية يحاول فيها المجتمع تأهيل الشخص كي يحتل مكانة اجتماعية ويؤدي دور في بنائه وتنتهي حينما يتمكن الفرد من احتلال مكانته وأداء دوره في السياق الاجتماعي وفقاً لمعايير التفاعل الاجتماعي ، وبذلك تتركز نظرة علم الاجتماع –على وجه الخصوص منهم علماء النظرية البنائية الوظيفية- على طبيعة ومدى اكتمال الأدوار التي تؤديها الشخصية الشابة في المجتمع.([v]

 

خصائص مرحلة الشباب :

  • الشباب فترة عمرية تمتد بين اكتمال النضج الفسيولوجي وبداية النضج الاجتماعي، وهو الذي يتحقق باحتلال الشباب لمكانة اجتماعية محددة يؤدي من خلالها دوراً أو أدواراً ترتبط بهذه المكانة.
  • أن هذه الفترة تتميز بالدينامية لأن الشباب دائماً يسعون إلى تحقيق الاستقلالية والتغير والذي يجب أن يكون موجهاً.
  • القابلية للتشكل والانتماء إلى توجه أيديولوجي معين.
  • أن الشباب أكثر قدرة على الاستيعاب والتواصل خاصة في عصر العولمة مما يسهل انتقال أفكار وقيم من مجتمعات أخرى، لذا وجب توفير توجيه مناسب حتى لا يخل ذلك بالإطار القيمي في المجتمع.
  • يواجه الشباب في هذه المرحلة ضرورة القيام باختيارات عديدة، لذا وجب توجيهه في هذه المرحلة ليكون له دور إيجابي في المشاركة في تلك الاختيارات المستقبلية الحاسمة.

 

    ولعل تلك الخصائص مجتمعة تدعم أهمية التسويق الاجتماعي للبرامج الموجهة لفئة الشباب، تلك البرامج التي يمكن أن تمارس دوراً محورياً في تحقيق هذه الأهداف ومن ثم بناء الشخصية الوطنية القادرة على المشاركة في برامج التنمية وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في المجتمع.([vi]) ويمكن النظر إلى الشباب وخصائص جيل هذه الألفية من خلال الشكل التالي:

 

 

ثالثاً: الموهوبين والمبدعين:

من أشهر تعريفات الموهوبين، تعريف رينزولي Renzulli  بأنها تتكون من تفاعل ثلاث مكونات: هي: ” قدرات عقلية فوق المتوسط ومستوى عال من المثابرة، ومستوى مرتفع من التفكير الإبداعي” ومن ثم فهم محتاجون إلى فرص تربوية وخدمات تعليمية غير عادية.([vii])

  • ويمكن التعرف على حاجات الموهوبين في ضوء خصائصهم وسماتهم الشخصية، كما يلي:
  • الحاجة إلى التعلم والتقدم وفق قدراتهم.
  • الحاجة إلى خبرات تعليمية تتناسب مع مستوى تحصيلهم.
  • الحاجة إلى تنمية مهارات التفكير المستقل.
  • الحاجة إلى تعلم المهارات الدراسية التي تساعدهم على التعلم مدى الحياة.
  • الحاجة إلى التعبير الحر عن العواطف والمشاعر.
  • الحاجة إلى تطوير المفهومات الإيجابية نحو الذات.
  • الحاجة إلى تقديم إنجاز يتناسب مع قدراتهم المختلفة عن قدرات العاديين.
  • الحاجة إلى تقدير الآخرين لهم بما يتناسب ومستوى إنجازاتهم المتميزة.
  • الحاجة إلى الاندماج الاجتماعي، لتجنب الشعور بالغربة.([viii])

 

        كما يمكن النظر إلى الموهوبين باعتبارهم من تتوفر لديهم استعدادات وقدرات غير عادية أو أداء متميز عن بقية أقرانهم في مجال أو أكثر من المجالات التي قدرها المجتمع وخاصة في مجالات التفوق العقلي والتفكير الابتكاري والتحصيل العلمي والمهارات والقدرات الخاصة، ويحتاجون إلى رعاية تعليمية خاصة لا تتوفر لهم بشكل متكامل في برامج الرعاية العادية.([ix])

 

        أما الإبداع فيعبر عن تفاعل عدة عوامل : عقلية وشخصية وبيئية واجتماعية، وينتج هذا التفاعل حلول جديدة تم ابتكارها للمواقف العملية أو النظرية في أي من المجالات العلمية أو الحياتية، وتتميز هذه المجالات بالحداثة والأصالة والقيمة الاجتماعية المؤثرة، فالابتكار يمثل عملية جديدة ومفيدة ، واستعمالات غير مألوفة للمجتمع عند تطبيقها، فهو تحويل الأفكار التخيلية إلى حقيقة، ومن ثم فهو إحدى العمليات المؤدية إلى تطور الإنتاج، وقد يعتبره البعض عملية إحساس وإدراك بالمشكلة ومواضع الضعف، ثم البحث عن الحلول واختبار صحتها، وإجراء تعديل للنتائج.([x])

 

رابعاً: تساؤلات حول التسويق الاجتماعي وأشكاله:

قد يتبادر للذهن مجموعة من التساؤلات المهمة مثل:

أين يقع التسويق الاجتماعي في برامج رعاية المواهب والإبداعات الشبابية؟

 متى نقوم بالتسويق للمواهب والإبداعات الشبابية؟

في أي مرحلة نسوق لهذه المواهب والإبداعات الشبابية؟

وللإجابة على هذه التساؤلات ينبغي أن ندرك أن التسويق الاجتماعي يقوم على عدة مراحل: ( قبلية وأثناء وبعد ) اكتشاف المواهب ورعاية الإبداعات، ففي المرحلة الأولى: وهي المرحلة الاستباقية: وهي مجرد محاولة للدخول في ميدان استكشاف المواهب في منطقة معينة، وهي مرحلة دعائية للأنشطة والفعاليات والبرامج التي تجذب أصحاب المواهب، والمرحلة الثانية: تمثل مرحلة الاستجابة والتفاعل مع أصحاب المواهب والمبدعين ورعايتهم ودعمهم، والمرحلة الثالثة: وهي مرحلة الابتكار في التسويق الاجتماعي لأفكار ملهمة ومبتكرة تناسب هذه الفئات والشرائح، ويمكن توضيح هذه المراحل من خلال العرض التالي:

 

 

خامساً: ما التسويق الاجتماعي؟ ولماذا؟

       يعتبر التسويق الاجتماعي أحد روافد التسويق ويعد مفهوماً خاصاً بالمسؤولية الاجتماعية يقوم من خلاله القائم بالتسويق بنشر فكرة أو قيمة أو نمط سلوكي، مستهدفاً إحداث تأثير معين في الإطار المعرفي أو سلوك الأفراد، وبناء على ذلك فإن التسويق الاجتماعي يعد بمثابة عملية تسويق أفكار وأطروحات تهدف إلى تغيير السلوك بشكل طوعي باستخدام تقنيات وأساليب تسويقية موجهة إلى المجتمع، والتعاون مع صناع القرار والمختصين والمهتمين، من خلال برامج تهدف إلى إحداث تغيرات سلوكية على مستوى الفرد والمجتمع.([xi]) فالتسويق الاجتماعي هو استخدام آليات التسويق في برامج اجتماعية مصممة جيداً، وتوصيلها للجمهور المستهدف لتحقيق الاستجابة المرغوبة، وهو ما أشار إليه كوتلر وروبرتو في كتابهما عن التسويق الاجتماعي، حيث عرفاه أنه : ” الجهد المنظم لإقناع الآخرين للموافقة على أو تعديل أو ترك أفكار أو اتجاهات أو سلوكيات محددة”.

 

       وإن حداثة هذا المدخل الفلسفي في دراسة التسويق وتشابكه مع مجالات إنسانية أخرى، قد يجعل من الصعوبة إعطاء تعريف محدد ودقيق له، بل إن التسمية ما زالت موضوع اجتهاد ونقاش فهناك تسميات مرادفة منها تسويق الفكرة الاجتماعية Social Idea Marketing وتسويق القضايا العامة Public Issue Marketing والتسويق المجتمعي Social Marketing والتسويق غير الهادف للربح Nonprofit Marketing ، وهناك من يرى أن هناك خلطاً وتشويشاً بين التسويق الاجتماعي والمنظمات غير الهادفة للربح، لذلك من المهم وضع تعريفات محددة له.

 

          وقد عرف Kotler التسويق الاجتماعي باعتباره التصميم والتنفيذ والسيطرة على البرامج التي تبحث عن زيادة قبول الأفكار الاجتماعية، كأسباب أو كتطبيق في المجموعات المستهدفة مستخدمة في ذلك بحوث السوق، ومفاهيم التطوير والاتصالات واليسر والتحفيز ونظرية التغيير لتعظيم استجابة المجموعة المستهدفة. وقد نظر إليه البعض باعتباره معبراً عن الأفكار التي يؤمن بها رجال التسويق والمنعكسة آثارها على الأنشطة التي يزاولونها والمنصبّة نحو تحقيق الصالح العام للمجتمع دون تقييدها بفئة معينة من الأفراد.

 

           ويرى أرماند ليفر Armand Luffer أن التسويق الاجتماعي استراتيجية لتغيير السلوك وهو طريقة نظامية وشاملة لتطوير الموارد التي تحتاجها المؤسسات لتقديم الخدمات التي يحتاجها الناس والاستجابة لاحتياجات المستهلكين ومقدمي الخدمات والممولين، بينما يرى ديفيد وزيو David & Theo أن التسويق الاجتماعي هو استراتيجية لحل المشكلات الاجتماعية عن طريق تغيير اتجاهات الناس وأنماط معيشتهم بشرط إقناعهم بجدوى تلك التغيرات وهي استراتيجية يمكن تطبيقها على المنظمات الخدمية الأهلية والحكومية كما يمكن تطبيقها على مستوى الحملات العامة وجماعات الضغط والعلاقات العامة حيث أن لكل منها عملاءها الذين لديهم حاجات ورغبات. فالتسويق الاجتماعي عملية تسويق للأفكار تهدف إلى تغيير سلوك باستخدام التقنيات والأساليب مع صناع القرار والمتخصصين والمهتمين من خلال برامج تهدف لإحداث تغير مجتمعي”.([xii])

 

        ولا يمكن اعتبار التسويق الاجتماعي مجرد وظيفة ذات مهام محددة ، وإن كان هو بالفعل له مهامه ومكانه في الهيكل الإداري للمؤسسات ، ولكنه يمتد لأكثر من ذلك فالتسويق فلسفة Philosophy وأسلوب تفكير A way of thinking  فالتسويق الاجتماعي يبحث عن التأثير في السلوكيات الاجتماعية وليس تحقيق المكسب للقائم بالاتصال أو القائم بالتسويق وإنما للجمهور المستهدف والمجتمع بوجه عام، وقد يستخدم التسويق الاجتماعي بعض الأسس والمبادئ المستخدمة في التسويق التجاري لتحقيق التغيير الاجتماعي الإيجابي، فالتسويق الاجتماعي وفق المفاهيم الكبرى يعتبر نظاماً استراتيجياً للتعامل مع المشكلات الاجتماعية المعقدة في المجتمعات المختلفة. وهو بذلك يشمل التسويق للمؤسسات والأماكن والأفكار والقضايا الاجتماعية، كما أنه لا يقتصر على المؤسسات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية، فحتى الشركات الربحية قد وضعته نصب اهتمامها تحقيقاً لمسؤوليتها الاجتماعية.

 

        وإن التطور في الفكر التسويقي وصولاً لما هو عليه اليوم لم يأت منقطعاً عن الحالة التاريخية الممتدة منذ فترة زمنية ليست بالقصيرة ، وكونها تعود إلى  1920حيث كان سائداً مفهوم المنتج Product Concept  مركّزاً على مبدأ رئيسي هو البضاعة الجيدة تبيع نفسها وفي عام 1950 برز المفهوم البيعي Sales Concept مركّزاً على النشاط الترويجي القائم على البيع ، ثم برز المفهوم التسويقي Marketing Concept مركّزاً حول مبدأ المستهلك هو الملك Social Marketing وأول من أشار إلى هذا المفهوم هو Peter Durcker بقوله : ” إن التسويق يتمثل بالعمليات الديناميكية لشركات الأعمال والتي تُحدث التكامل لمنتجاتها مع أهداف وقيم المجتمع ” .

 

     ويهدف التسويق الاجتماعي إلى وضع الخطط العلمية والعملية لإحداث التغيير الاجتماعي المطلوب، مع الملاحظة أنه ليس كل الخطط ستنجح في إحداث التغيير أو التعديل المرغوب فيه دائماً، لأن النجاح في تحقيق أهداف الحملات التسويقية الاجتماعية يعتمد على سهولة أو صعوبة ما يراد تغييره اجتماعياً أو سلوكياً، كما يرتبط أيضاً بحاجات ورغبات أفراد المجتمع (المستهلكين).([xiii])

 

سادساً: التسويق الاجتماعي في مجال الموهبة والإبداع الشبابي:

من المهم الوقوف على خطوات التسويق الاجتماعي في مجال الموهبة والإبداع الشبابي، والصعوبات والتحديات التي يمكن أن يواجهها لتنفيذ البرامج، وذلك كما يلي:

 

  • خطوات التسويق الاجتماعي:

يمكن تحديد خطوات التسويق الاجتماعي في تنفيذ البرامج الشبابية للموهوبين والمبدعين الشباب، فيما يلي:

  • رصد المشكلات التي يعاني منها الموهوبين الشباب والمبدعين منهم، وتصنيف هذه المشكلات وتحديها بدقة.
  • تحديد الأولويات من بين هذه المشكلات، كذلك الأنشطة التي يتوفر تمويلها حالياً ووضع جدول زمني للأنشطة التي يتم تأجيلها.
  • تحديد الفئة المستهدفة من كل نشاط تسويقي ومن الرسالة الإعلامية الموجهة.
  • تحديد الخصائص الديموغرافية للشريحة المستهدفة- شباب موهوب ومبدع- ودراسة الاتجاهات والقيم والسلوك المميز لها.
  • تحليل الأنشطة التسويقية والرسائل الإعلامية بأسلوب دقيق يمكن من مواجهة أي مشكلة اجتماعية يراد وضع حلول لها.
  • إجراء بحوث تسويقية تهدف للتعرف على السلوك الحالي للجمهور المستهدف من الموهوبين والمبدعين الشباب ومحاولة التنبؤ بالسلوك المتوقع.
  • تحديد الأهداف لكل مجموعة مستهدفة من الموهوبين والمبدعين ولكل نشاط تسويقي.
  • تصميم الاستراتيجيات التسويقية والرسائل الإعلامية المناسبة والتي تلبي شغف الموهوبين والمبدعين الشباب.
  • مراعاة البرنامج التسويقي لثقافة وتقاليد وعادات المجتمع.
  • إجراء اختبارات مسبقة للاستراتيجيات التسويقية والرسائل الإعلامية للتعرف على مدى تقبل واستيعاب الجمهور المستهدف.
  • إعادة اختبار الاستراتيجيات التسويقية والرسائل الإعلامية إذا دعت الحاجة لذلك.
  • محاولة نشر الرسائل الإعلامية بما يحقق أفضل انتشار لها.([xiv])
  • صعوبات تواجه التسويق الاجتماعي في الترويج لبرامج الموهبة والإبداع الشبابية:
  • يتعامل التسويق الاجتماعي مع مجالات غير ملموسة ألا وهي مجالات الاتجاهات والمعتقدات، وتحديداً مجالي الموهبة والإبداع، والتي تحتاج إلى مجهودات ضخمة لتغييرها على المدى الطويل.
  • ضرورة مراعاة التوافق بين الفكرة الاجتماعية أو نمط السلوك الذي نسعى لترويجه والاتجاهات والمعتقدات السائدة لدى الجماهير المستهدفة.
  • تنوع الجماهير الذين يتوجه إليهم القائم بالتسويق للفكرة أو الخدمة أو نمط السلوك المعين، إلى جانب تصدي هذه الأفكار لعادات وسلوكيات اجتماعية رسخت على المدى الطويل، مما ينتج عنه مقاومة ورفض الفرد للفكرة الجديدة أو أنماط السلوك التي يتلقاها.([xv])

 

وختاماً :

يمكن إجمال معاني التسويق الاجتماعي وحدوده في مجال الموهبة والإبداع الشبابي باعتباره عملية تقوم بالكشف عن الحاجات والرغبات الإنسانية ثم العمل على ترجمتها إلى برامج وخدمات تُشبع وتلبي تلك الاحتياجات لأصحاب المواهب والمبدعين الشباب بكفاءة وفعالية، وهذه العملية تقوم على التخطيط والتدريب مع الالتزام بأخلاقيات المجتمع ومواثيق الشرف المعتمدة للمؤسسات الشبابية، كما أنها تستند على ترويج السلوكيات والقيم الاجتماعية الإيجابية وإكساب القدرات والمهارات ورعاية المواهب، وتعتمد على المعرفة والفهم والعمل التعاوني بين العاملين في القطاعات الشبابية، كما أنها تستخدم تقنيات وأساليب تسويقية من خلال برامج وأنشطة تتفق مع الحاجات التي قامت لتوفيرها، والإمكانات التي توفرت لقيامها.

 


 

[i]   ايهاب حامد نجم، أثر تطبيق التسويق الاجتماعي على أداء الجمعيات، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة،  جامعة عين شمس، 2016، ص42.

[ii]   زين بن حسن ردادي، وآخرون، تقويم مخرجات برامج الموهوبين بمنطقة المدينة المنورة، دراسات عربية في التربية وعلم النفس، ع31، ج3، 2012، ص270.

[iii]  أسامة حسن معاجيني، التجارب الرائدة عربيا ودوليا في تربية الموهوبين ورعايتهم، المؤتمر السادس لوزراء التربية والتعليم العرب، تربية الموهوبين خيار المنافسة الأفضل، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الرياض،  23-24 صفر 1429هـ.

[iv]  عبد الله النافع، برنامج الكشف عن الموهوبين ورعايتهم، الرياض: مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، 1421هـ.

[v]  علي ليلة ، الشباب العربي وتأملات في ظواهر الإحياء الديني والعنف، القاهرة : دار المعارف، 1993، ص22.

[vi]  ماهر أبو المعاطي علي ، الخدمة الاجتماعية في مجال رعاية الشباب، القاهرة، ط1،2010،  ص175.

[vii]  سامية محمد بن لادن، واقع كفايات اكتشاف الموهوبين ورعايتهم في برامج المعلمين، دراسات عربية في التربية وعلم النفس، ع39، مج1، 2013، ص176.

[viii]  أسامة حسن معاجيني، مرجع سابق.

[ix]   نبيل البدير ، منى سلطان، تجربة المملكة العربية السعودية في رعاية الموهوبين والمبدعين، الملتقى الخليجي لرعاية الموهوبين ، عمان ، صلالة، 1431، ص9.

[x]  فردوس الصالح، الإبداع والابتكار وديمومتها، الرياض، منتدى أسباب الدولي، 2017، ص119.

[xi]  بشير عباس العلاق ، التسويق الاجتماعي، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 2011.

[xii]  أحمد بن مويزة، دور التسويق الاجتماعي في تحقيق المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة الصحية ، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، جامعة زيان عاشور، 2017، مج10، ملحق، ص335.

[xiii]  سليمان أحمد آل خطاب، أثر التسويق وتطبيق المسئولية في تعزيز جودة العملية التعليمية  العلوم الإدارية، مج42، ع 2 ، 2015، ص449 .

[xiv]   نادية الجرواني ، منال عبد الستار فهمي، التخطيط للتسويق الاجتماعي لبرامج رعاية الشباب، مجلة دراسات في الخدمة الاجتماعية والعلوم الإنسانية، جامعة حلوان، ع29، ج1، 2010، ص428.

[xv]  إلياس شاهد، التسويق الاجتماعي ودوره في تعزيز تبني المسؤولية الاجتماعية للشركات، مجلة المستقبل الاقتصادي، جامعة أمحمد بوقرة بومرداس، 2017، ع5، ص113.

شارك
الأكثر قـــــراءة
العمل الشبابي في ظل الجائحة: التحديات والفرص الديوانية

المحاور:– كيف أثرت أزمة كورونا على العمل الشبابي؟ – في ظل الأزمة.. ما هو دور العاملين […]

الجوائز الشبابية العربية.. والعامل مع الشباب مقالات

  الباحثة / فاطمة محمد الأمين موسى      مقدمة: اعترافاً بدور الشباب الريادي في […]

تدريب المهارات النفسية للرياضيين شباب بيديا

      د. أحمد الحراملة  استاذ مشارك في علم النفس الرياضي رئيس المجموعة السعودية […]

العمل الشبابي في ظل الجائحة : رفع كفاءة الشباب الديوانية

المحاور: -وضع الشباب في ظل الجائحة، ماذا يفعلون وكيف يعيشون؟ -تحفيز العاملين مع الشباب لتفعيل […]

دور الجهات السعودية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة (ما يتعلق... مقالات

      مروان عبد الحميد الخريسات مستشار وخبير في التخطيط الاستراتيجي والتنمية     […]